حول العالم

نيويورك تايمز تسلط الضوء على “العجائب التي تعيش في قاع البحر”

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا أعدَّه الكاتب روبرت مور، يستعرض فيه الكائنات العجيبة التي تعيش في أعماق البحر من خلال عرضه لكتابين جديدين تناولا هذا الموضوع.

يستهل الكاتب تقريره، الذي ترجمه موقع “ساسة بوست”، بالإشارة إلى تخيُّل المشهد الساحر في أعماق البحار السحيقة؛ حيث يتدلَّى ما يسمى بـ«زخات الثلج البحري» المكونة من بقع شاحبة من لحوم الكائنات الميتة والنباتات والرمل والغبار والفضلات، والمترسِّبة من العالم الفوقي إلى الأعماق. وعندما تضرب تلك الزخات الثلجية قاع البحر، أو عندما يُعيقها عائق، تُضيء أحيانًا، وهي ظاهرة تُعرف بـ«وميض الثلج»، ويطفو حولها الحبار مصاص الدماء، وهي كائنات على شكل مظلة ذات جلد باللون الكاكي، لتجمع هذه المادة المضيئة في كرات ثلجية صغيرة، وتأكلها بهدوء.

حياة في الأعماق

لفت الكاتب إلى أن الاعتقاد بعدم وجود حياة في أعماق البحار كان سائدًا حتى وقت قريب. ولقرونٍ خلت، كان الصيادون يسحبون شباك الجر في أعماق البحار وهي مليئة بالطين الرخو، غير مدركين أنها جثث لأحياء ماتت. وتتميز بعض الحيوانات، التي تكيفت مع ضغط الأعماق، بأنها حساسة للغاية لدرجة أنه في المياه الأخف ضغطًا يمكن لموجة بسيطة تدفعها اليد أن تمزقها إلى أشلاء.

لكن أسطورة عدم وجود حياة في أعماق البحر، والمعروفة باسم نظرية الأعماق، دحضتها سلسلة من حملات التجريف، والصيد بشباك الجر في القرن التاسع عشر، بما في ذلك بعثة علمية ألمانية في عام 1898، والتي التقطت أول حبار مصاص دماء معروف. وعلى الرغم من ذلك استمر المفهوم الخطأ سائدًا. وفي عام 1977، كان هناك عالم جيولوجي يُرشد غواصة بالقرب من فوهة فتحة حرارية مائية (فتحة تشبه المدخنة في قاع المحيط تنفث المياه المعدنية الحارة)، فوجدها تعج بالأحياء المائية، فسأل فريق البحث المصاحب: «أليس من المفترض أن تكون أعماق المحيط مثل الصحراء الجرداء»؟

ويشير الكاتب إلى أن عالم الطبيعة ويليام بيبي، الرجل الذي صاغ عبارة «الثلج البحري»، قام بسلسلة من الرحلات الاستكشافية الغاطسة المبكرة، والتي وصلت في النهاية إلى عمق نصف ميل. وعاد مشدوهًا مذهولًا حاملًا «ذكرى مشاهد حية في عالم غريب مثل عالم المريخ»، بل الواقع أن الأمر كان أكثر غرابة.

Embed from Getty Images

وهناك في الأعماق يعيش عديد من المخلوقات الشفافة، والبعض الآخر شديد السواد مثل مادة الفانتابلاك (المادة الأكثر سوادًا على وجه الكوكب). وبعضها رقيق، والبعض الآخر لديه أصداف من معدن الحديد. وتتجمع الأخاطب (جمع أخطبوط) الأرجوانية الشاحبة، التي تفضِّل عادة العزلة، سعيًا للتدفئة في مجموعات متعانقة يبلغ عددها المئات.

وتعيش اليرقات العملاقة، وهي كائنات على شكل الحيوانات المنوية، في سحابة مخاطية يبلغ عرضها عدة أقدام، ومجهزة بغرف مقببة رائعة على شكل أجنحة مصممة لتصفية الطعام. وجميعها تقريبًا تتوهج وتُشِع ضياءً، الأسماك والحبار والروبيان.

عالَم عجيب

وتطرَّق الكاتب إلى سبب معرفته هذا العالم العجيب موضحًا أنه في رحلة حديثة إلى جزيرة النار، قرأ كتابين جديدين عن أعماق البحار، مشيرًا إلى أنه بينما كان مستلقيًا يستمتع بالرمال الدافئة، اقتحم الظلام البارد إلى عالم غريب. لقد كان عالَمًا مثيرًا، ولأسباب متنوعة، كان مرعبًا قليلًا أيضًا.

يقول الكاتب: كان الكتاب الأول (وهو الأكثر إثارة) الذي قرأته بعنوان: تحت حافة الظلام (Under the Edge of Darkness)، لمؤلفته عالمة المحيطات إيديث وايدر. والعنوان مشتق من الحد تحت المحيطي لمنطقة الشفق، حيث يكون الضوء فيها خافتًا، ومنطقة منتصف الليل (المياه العميقة)، والتي ينعدم فيها الضوء تمامًا. ولكن الظلام، في الصورة البصرية وليس العاطفية، هو أيضًا الفكرة الأساسية لمذكرات إيديث.

وأضاف الكاتب أن لدى أسماك أبُو الشُّص (عفريت البحر) مصابيح ضوئية تتدلى من جبهتها، تستخدمها طُعمًا. وأيضُا عندما تتعرض أسماك خيار البحر للتهديد، فإنها تُلقي طبقة قشرية متوهجة من الجلد، مكونة بذلك أشباحًا طيفية لأنفسها بوصفها خدعة. وتقوم بعض الأنواع برش مُهاجمِيها بدفقة من الضوء المتوهج، منهم الجمبري والحبار اللذان يبدوان وكأنهما ينفثان النار، وأسماك المسماة (أنبوب الكتف اللامعة).

Embed from Getty Images

وفي أعالي أعماق البحار، حيث لا مكان للاختباء، ينبعث ضوء أزرق من عديد الأسماك، وهي سمة تُعرف باسم الإضاءة المضادة. وتستخدم سمكة بريستليموث، وهي أكثر الفقاريات وفرة على وجه الأرض، هذه الحيلة للاندماج في البحر نفسه.

كتاب يُكمل الصورة

ولحسن الحظ، وحسب ما يضيف الكاتب، فقد ظهر كتاب جديد يعوِّض قصور كتاب إيديث. ويقدم كتاب الأعماق المتوهجة (The Brilliant Abyss) المسح الشامل الذي أعدَّته هيلين سيكالز لقاع البحر، وكانت الكاتبة شجاعة للغاية للمخاطرة بنبرة أكثر قتامة، وأكثر إرضاءً ببعض الطرق.

إن أعماق البحار التي تصورها هيلين عالم غير مرئي إلى حد كبير يتعرض للنهب باستمرار، وغالبًا من الأشخاص الذين ليس لديهم فكرة تُذكر عما يدمرونه. وبين الكاتبتين، هيلين هي الراوي الأكثر رشاقة، لكن لدى إيديث القصة الأكثر إقناعًا.

ولكن رغم قصوره، يمتلك كتاب «الأعماق المتوهجة» فضائل عديدة. وتتمثل هدية هيلين العظيمة التي قدمتها القارئ في تحويل الإعجاب بعجائب أعماق البحار إلى نوع من الغضب الهادئ. وفي أحد أكثر الفصول ترويعًا في الكتاب، تصف هيلين المصير المحزن لسمكة الروفي البرتقالي، وهي سمكة بطيئة النمو بشكل ملحوظ، تعيش في أعماق البحار. كانت تُعرف سابقًا باسم سلايمهيد، وقد أعيدت تسميتها في السبعينيات لجذب المستهلكين. وارتفع الطلب عليها.

Embed from Getty Images

سُحبت شباك الجر على طول قاع البحر، ليس فقط لسحب أسماك الروفي، ولكن أيضًا لسحب حطام الشعاب المرجانية. وكما كان متوقعًا، انهارت أعداد الأسماك بسرعة، ولم تعد تلك الأسماك، والنظم البيئية التي دمرت لاصطيادها، إلى قوتها السابقة بعد.

لا تنتقد هيلين قاتلي سمك الروفي البرتقالي فحسب، بل الصناعة بأكملها. وعلى الصعيد العالمي، كما كتبت، تجني سفن الصيد في أعماق البحار أرباحًا تبلغ 60 مليون دولار فقط سنويًّا، ومع ذلك فهي تتلقى دعمًا قدره 152 مليون دولار. «إذا كانت تكلفتها باهظة، وتوفر القليل جدًّا من الطعام، وتتسبب في مثل هذا الدمار البيئي الهائل، يظل السؤال الصارخ المطروح: لماذا يجري صيد الأسماك بشباك الجر في الأعماق بالأساس؟»، حسب ما تتساءل هيلين. وبدأ البعض في الدعوة إلى فرض حظر عالمي على الصيد بشباك الجر في أعماق البحار.

لكن هيلين تذهب إلى أبعد من ذلك. وإذا نظرنا إلى المستقبل، إذ يبشر تعدين المعادن الأرضية النادرة وإلقاء الكربون في أعماق البحار بالتحول إلى صناعات مربحة (وإن كانت مدمرة)، تحثنا هيلين على التحوط أكثر في الحفاظ على البيئة البحرية: لا تعدين في أعماق البحار، ولا صيد أسماك، ولا تنقيب عن النفط أو استخراجه بأي شكل. وتجادل هيلين بأن الكائنات في أعماق البحر ضعيفة للغاية، وتلعب دورًا شديد الأهمية للكوكب من أن تتعرض للنهب الأعمى.

وتخلص هيلين إلى القول: «إذا استمرت الدول القوية ورجال الصناعة في هذا الانتهاك، وانفتح العمق أمامهم، فإن ذلك يثير الاحتمال الساخر والكئيب بأن تصبح أعماق البحار فارغة وبلا حياة، تمامًا مثل ما كان يعتقد الناس ذات مرة».

ويختم الكاتب تقريره فيقول: غالبًا ما تُعقد موازنات بين أعماق البحار والكون. وأحد الاختلافات الواضحة بين الاثنين هو أن أعماق البحر تعج بالحياة. والفارق الآخر هو أنه، على عكس النجوم، فإن الأضواء المتلألئة في أعماق البحار متوارية عن الأنظار. «بمجرد أن يتوقف المرء عن التفكير فيها، يمكن أن تختفي الأعماق بسهولة من مخيلتك»، حسبما تحذر هيلين. وأفرغ كل من هيلين وإيديث جهدهما لتسليط الضوء على أعماق البحار. ومن واجبنا، بوصفنا سكان كوكب الأرض المائي، أن ننظر ونعتبر.

تبقى دقة المعلومات الواردة في التقرير على عاتق المصدر المذكور أعلاه

المصدر: نيويورك تايمز

ترجمة: ساسة بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى