الرئيسية » ومن عبيد الأسد.. مثقفون وفنانون

ومن عبيد الأسد.. مثقفون وفنانون

ظهرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي و وسائل الإعلام مع بداية الثورة السورية آلاف الصور والأفلام والمقاطع التي فضحت وحشية وجرائم العصابة الأسدية في تعاملها مع الثوار والمعارضين ، واستقبلت جميعها من قبل المثقفين والفنانين المؤيدين للنظام البعثي بالتجاهل أحياناً ، أو بالإنكار ، أو التبرير ، وحتى بالتأييد العلني والتحريض على المزيد منها تارة أخرى ، بينما لم يتركوا أي جريمة تتم على يد تنظيم داعش ، أو النصرة ، إلا واستنكروها وسلطوا الأضواء عليها ، وكانت أية هفوة ، أو أي خلل يرتكب على يد فصائل الثوار ، يحشدون له أقلامهم ومنابرهم وأبواقهم ووسائلهم الإعلانية ، للتهويل من خطورة الأمر ، وتكريس بشاعته ، وصبغه بالأجرام الكامل . فأين هي أصواتهم الآن في زوبعة قصف الطائرات الروسية وغزوها لأرضهم وسمائهم ؟.

 

بعيداً عن صواريخ الأسد وبراميله التي يصل صوت انفجارها ، ويشاهد لهيب نارها من مبنى الإذاعة والتلفزيون في قلب العاصمة دمشق، وبعيداً مؤقتاً عن الغزو الروسي ، ظهرت مؤخراً، وليس آخراً، وقائع مرفقة بمعلومات و بتفاصيل و شريط فيديو، لشاب يدعى "محمود علي عفيفة"،وهو من ريف السلمية ، ومحسوب على المجرم مصيب سلامة شقيق أديب سلامة رئيس فرع المخابرات الجوية في حلب ، وتوضح تلك التفاصيل والفيديو المرفق معها ، ارتكاب هذا السفاح لجرائم تقشعر لها الابدان ، من خطف وقتل وحرق وسلخ جلد الضحايا وهم أحياء ، وممارسة الاغتصاب في أبشع صوره ، حيث إذا ما حل به التعب الجسدي ، كان يستأنف عملية اغتصابه للنساء بالعصي والأدوات الحادة ، بل يذهب أبعد من ذلك ، حينما يزج بضحاياه وهم أحياء ، إلى قفص يتواجد فيه "ضبع" يربيه في مزرعته ، فيقدم الضبع على التهام الضحايا على مرأى من عينيه، وراح عفيفة في الشريط المسجل يستثير أنياب ضبعه بعصى غليظ، وفي نهاية الشريط يبتعد الضبع عن عفيفة ليستغرق في التهام قطعة لحم كبيرة تعود على ما يبدو ، من كبر حجمها وشكلها، إلى ساق بشرية أو زراع .

 

ومحمود عفيفة. يعتبر مثالاً عن آلاف السفاحين المنخرطين فعلياً في عضوية العصابة الأسدية، وهو بشكل أو آخر ، يعتبر أيضاً مثالاً عن مئات المثقفين والفنانين المؤيدين لتلك العصابة ، الذين لم تشفِ غليلهم براميل بشار الأسد ومدافعه على مدار كل هذه السنين، ولم تستطع أن تحيدهم عن مواقفهم قيد شعرة ، وطبعاً لكل منهم وجهة نظر فكرية وسياسية تعمل على تجميل تلك الجرائم، وتحويلها إلى أعمال بطولية ، لتصب جميعها في مصلحة العصابة البعثية ،و الجيش الحامي للوطن حسب زعمهم ، كما يجملون الآن ويهللون للطائرات الروسية وهي تخترق السماء والأرض السورية ، ومنذ انطلاق الثورة وحتى الآن ، لم تحدث تلك الجرائم أي تغير في مواقف أمثال هؤلاء المثقفين والفنانين، أو أن تجعلهم يكفون عن تأييدها وتبريرها بحجة مكافحة الارهاب ، أو على الأقل التوقف عن التهليل لها ، فبعد مرور كل هذه السنين المتخمة بالقتل والحرق والذبح والتعذيب والتجويع على يد عصابات الأسد، لم يطرأ أي تغيير على مواقف الشاعر أدونيس ، ولم تجد الممثلة رغدة غضاضة بأن تطالب علناً بحرق الثوار بالسلاح الكيماوي، ولم يخجل دريد لحام من عناقه لعناصر العصابة الأسدية على تخوم بوابات الجريمة ، ولا تكاد تكف سلاف فواخرجي في كل مناسبة عن إعلان تأييدها لتلك العصابة ، والتهليل لها ، وكذا حال وائل رمضان وباسم ياخور وغسان مسعود وفايز قزق ، والمخرج نجدت أنزور ، و باسل الخطيب ، والليث حجو ، والموسقي طاهر مامللي ، والسينارست حسن م يوسف ، وغيرهم ، جميع هؤلاء ، لم يبدلوا مواقفهم ، ولم تتغير وجهات نظرهم ، ورغم اختلافهم و تنوعهم في المستويات الفكرية والثقافية والمعرفية ، نراهم موحدين جميعاً في جبهة ولائهم للعصابة الأسدية ، علماً بأن حقيقة جرائم هذه العصابة واضحة وضوح الشمس ، وهنا نتساءل : ترى هل هم يجدون في مثل هذه الجرائم مرآة لأعماقهم ، ومتنفساً لحقدهم ، وتوقهم لتدمير الأخر ، وإلا ما سر استمرارهم في تأييدها ، وتحويلها إلى بطولات تستحق الاحترام والتبجيل بذريعة أنها شكل من أشكال التصدي للإرهاب ؟.

 

والحديث هنا عن محمود عفيفة ، محاولة منا لعكس صورة عصابات الاسد من جانب ، و التنويه إلى أنه بات من الواضح أن معظم مؤيدي النظام من المثقفين والفنانين ، لديهم مثل هذا الميل الإجرامي من جانب آخر ، فهم على ما يبدو حتى وإن شاهدوا وعاينوا ما يفعله هذا السفاح ، لن يحتجوا ، ولن ينددوا ، بل سيستمتعون بمثل هذه الأعمال الوحشية ، وسوف يعلنون عن تأييدهم لها ، وسيجدون لها ألف مبرر وألف حجة ، تماما كما يؤيدون و يستمتعون بجرائم عناصر وضباط الجيش السوري ورجال الأمن ، كيف لا ؟ وها هم الآن يهللون فرحاً وطرباً بالغزو الروسي لسماء وللأرض السورية ، كما هللوا من قبل ، ويهللون للاحتلال الفارسي ، ولعناصر حزب الشيطان لأرضهم ومدنهم وشوارعهم وبيوتهم ، قعلى الأغلب أن أمثال هذه الكائنات الممسوخة ، والمحسوبة على الفن والثقافة ، تستمد فعلياً أنفاس شهيقها وزفيرها عبر الحذاء " البوط" العسكري ، ولا تستطيع مواصلة عيشها دونه ، وأنها دائماً تحتاج لمن يمارس القتل نيابة عنها ، ولمن يسفك لها الدم ، لتتخذ منه حبرا لأقلامها الزائفة ، وجرعة صباحية تحلي بها أصواتها الهمجية بديلاً عن فنجان القهوة ، وكأن براميل وصواريخ الأسد المتساقطة على حياء وبيوت وأجساد المنتفضون ضده منذ أربعة سنين ونيف ، عززت شذوذ أصيل لدى هؤلاء المسخ ، وجعلتهم يدمنون على رؤية الطائرات والصواريخ وهي تفتك بأجساد النساء والأطفال ، وإلا ما تفسير سرورهم وترحيبهم بالاحتلال الروسي ، وبقصف طائراته للمدن والأحياء السورية؟ ألا يعني هذا، أن لدى عقولهم وأفكارهم وكيانهم ميول لمن يغتصبها ؟.

 

إن هذا الميل للإجرام ، وهذا التلذذ بمشاهد القتل والدم ، يبدو راسخاً في عقول وضمائر المؤيدين للنظام البعثي على اختلاف مهنهم ، فعلى نزيف الدم والدخان والدمار ولهيب الحرائق ، نراهم يؤلفون قصائدهم ويلقونها في المراكز الثقافية ، و يعزفون ألحانهم الموسيقية في دار الاسد للثقافة والفنون ، وعلى أشلاء الأطفال يؤلف الكتاب منهم رواياتهم ، ويؤدي الممثلون أدوارهم المسرحية والتلفزيونية ، وإلا كيف أمكنهم أن يمارسوا كل تلك النشاطات الثقافية و الفنية بين جوانح مؤسسات الأسد التشبيحية ،و على وقع أصوات البراميل والصواريخ ، وهدير الطائرات الروسية فوق رؤوسهم ، وصراخ الجثث المقطعة والمتناثرة في الاحياء والمدن السورية ؟!

 

نعم ، فمحمود عفيفة صورة مكثفة ، تعكس أعماق المثقفين والفنانين المؤيدين للعصابة الأسدية، و شخصياتهم وعقولهم لا تكاد تبتعد ، أو تفترق ، عن شخصيته وعقله ، مع فارق أنهم لا يمارسون الاجرام على نحو مادي ومباشر ، و لا يضطرون لحمل سكين لنحر الأعناق البشرية ، ولا يحلقون بطائرة لرمي برميل متفجر على البيوت وساكنيها ، ولا إلى تشويه الجثث وتقطيعها وإطعامها لضباعهم المحبوسة في أقفاص عقولهم ، طالما وأن تلميذهم محمود عفيفة وأمثاله يؤدون لهم هذه المهمة على أكمل وجه تاركين لهم كل الوقت كي يتفرغوا لارتداء ثيابهم العصرية، وتأليف القصائد، وعزف مقطوعاتهم الموسيقية ، والوقوف على خشبات المسارح، و على المنابر ، لتبرير الجرائم ، وحتى الغزو الخارجي لوطنهم، و تلوين كل هذا الإجرام ببريق الأضواء المسلطة عليهم ، وأمام هذه الحالة، لم يعد ثمة مجال للتفريق بين قاتل فعلي و قاتل في الأماني والمشتهى، طالما وأن هناك من يؤيد ويدافع عن هذا القتل ويجد له المبررات، فأربعة أعوام كانت كافية لجلاء الحقيقة عن بصر من كان يدعي ضبابية المشهد السوري ، وآلاف الجرائم التي حبلت بها تلك السنوات ، كانت كافية لأحداث فارق جذري في بنية التفكير ، وفي بنية الوعي والقناعة، لكن أن يظل المثقفون والفنانون المؤيدون للأسد على مواقفهم بعد كل هذه السنين ، وبعد أن استدعى الأسد كل غزاة الدنيا إلى الأراضي السورية ، فهذا يعني أنهم بالتأكيد مجرمون بالفطرة، و يتشابهون مع محمود عفيفة ، ويحملون في تكوينهم العضوي والفكري نواة الضباع، وهم شرهون للدم والقتل مثلها، حتى لو خطوا آلاف القصائد، وألفوا مئات القطع الموسيقية، ومثلوا عشرات النصوص الملحمية والدرامية، فهم من خلالها على ما يبدو ، يسعون لطمس صوت توحشهم، ورغبتهم في قتل أي صوت يخالف صوتهم،حتى وإن كان عزفاً موسيقياً ، هو حال جميع عبيد الأسد من المثقفين والفنانين الماهرين بتلوين عبوديتهم، واغتصاب الغزاة لهم بألوان زاهية .