اقتصاد

خطوة تاريخية.. أمريكا تسحب بعض احتياطات نفطها لمواجة تضخم أسعار الطاقة

اتخذت الولايات المتحدة، خطوة تاريخية بإعلان سحب بعض احتياطات نفطها الاستراتيجية لمواجهة التضخم في أسعار الطاقة، وذلك بالتنسيق مع دول أخرى ستحذو حذوها، وهو ما أثار تساؤلات حول الهدف من هذه التوجه، وتداعياته على سوق أسعار النفط المرتفعة، خاصة مع عدم رغبة دول منظمة “أوبك” في التوجه نحو خفض الأسعار.

ويرى مراقبون للوضع أن الخطوة الأخيرة “حل مؤقت” لاحتواء الارتفاع في أسعار الطاقة، واستبعدوا أن يكون التنسيق الأخير هو تحالف طويل الأمد بين الولايات المتحدة والدول الأخرى.

وأعلن البيت الأبيض، الثلاثاء، أن الرئيس الأميركي، جو بايدن، أمر باستخدام 50 مليون برميل من المخزون، مشيرا إلى التنسيق مع دول أخرى مستهلكة للطاقة، بينها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة.

وأعلنت الهند أنها ستستخدم 5 ملايين برميل من احتياطيها، ولم يستبعد مسؤول هندي سحب المزيد عند الضرورة، وقال متحدث ياباني إن الحكومة تدرس هذا الأمر.

ما هو السبب؟

وقال البيت الأبيض إن هناك “ارتفاعا في أسعار النفط في محطات البنزين والديزل، وفي فواتير تدفئة المنازل، كما أن الشركات الأميركية تشعر بذلك أيضا” ولهذا السبب قرر الرئيس بايدن استخدام “كل الأدوات المتاحة له للعمل على خفض الأسعار ومعالجة نقص المعروض”.

وألقت الإدارة باللوم في ارتفاع الأسعار جزئيا على آثار تعافي الاقتصاد، وعلى شركات الطاقة التي تتخذ سياسية مضادة للمنافسة، وقد طلبت الإدارة قبل أيام من لجنة التجارة الفيدرالية التحقيق، فيما إذا كان “السلوك غير القانوني” للشركات يرفع الأسعار في محطات الوقود.

ويرى جيمس أستيل، مدير مكتب واشنطن لمجلة “إيكونوميست” الأميركية في تصريح لموقع “الحرة” أن الخطوة الأخيرة تظهر مدى “جدية” الإدارة في العمل على خفض أسعار الخام، كما أنه يبعث برسالة إلى منظمة “أوبك” بضرورة خفض الأسعار.

وقال الخبير الاقتصادي الأميركي، غريغوري أفتانديليان، لموقع “الحرة” إن الخطوة تهدف إلى احتواء مخاوف الأميركيين من ارتفاع التضخم في أسعار الطاقة، خاصة في ظل موسم الأعياد الحالي، الذي يسافر فيه الكثير من الناس.

ويقول أفتانديليان إن إدارة بايدن تسعى أيضا إلى التحرك ضد الشركات التي حققت أرباحا كبيرة من ارتفاع الأسعار.

تحالف جديد؟

وكانت الولايات المتحدة و”أوبك” قد خفضتا إنتاج النفط في 2020 مع تراجع الطلب العالمي بسبب جائحة كورونا، وتراجع مستوى استهلاك النفط في الولايات المتحدة في ذلك العام إلى حوالي 6.66 مليار برميل، وهو ما كان أدنى مستوى استهلاك سنوي منذ عام 1995.

لكن مع تعافي الاقتصاد العالمي تدريجيا، ارتفع الطلب مجددا في حين تباطأ المنتجون في إعادة النفط إلى الأسواق، مما دفع أسعار النفط الخام إلى أعلى مستوياتها.

وفي ظل هذا الوضع، طلب بايدن من “أوبك” هذا الصيف زيادة الإنتاج، لكن في اجتماعها الأخير، رفضت تغيير سياستها الحالية، لوقررت الإبقاء على جدولها المتفق عليه مسبقا لزيادة الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل شهريا فقط، مما دعا البيت الأبيض إلى استكشاف خيارات أخرى، وفق تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.

وذكرت الصحيفة أنه في وقت سابق من هذا الشهر بدأت الإدارة الأميركية مناقشات مع الدول الآسيوية والأوروبية بشأن الاستفادة من مخزونات الطوارئ.

وتشير لويز ديكسون، كبيرة محللي أسواق النفط في ريستاد إنرجي”، للصحيفة الأميركية إلى الظهور الرسمي لـ”مجموعة مناهضة لأوبك” تسعى من خلال زيادة المعروض إلى تهدئة أسعار النفط “وإبقاء تعافي الناتج المحلي الإجمالي خلال الوباء على المسار الصحيح، لا سيما في ظل زيادة التضخم”.

وقالت ديكسون لفرانس برس إن “هذا الإجراء التاريخي وغير التقليدي هو رسالة واضحة لإبلاغ أوبك”، أكبر الدول المنتجة للنفط، “أنها ليست اللاعب الوحيد في سوق النفط”.

وأكد مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية للصحيفة أن هذا التنسيق يشكل سابقة.

وتقول “فرانس برس” إن واشنطن وبكين تجاهلتا التنافس بينهما وقامتا بهذه المبادرة.

ويشير أستيل في تصريحاته لموقع “الحرة” إلى أن الضغط والمواجهة مع “أوبك” استمرت منذ فترة طويلة، لكنه استبعد أن يستمر هذا التحالف الجديد في المستقبل، لأنه جاء لهدف موقت ولأن “أوبك” مجموعة “منظمة للغاية”.

ويعتقد أفتانديليان أن هذا الأمر سيغضب “أوبك”، لكنه أشار إلى أنه لن يؤثر على وضعها وقراراتها، وقد استفادت بالفعل من الأرباح التي حققتها خلال العامين الماضيين.

تأثير على الأسعار

وفي أعقاب الإعلان، هبط خام غرب تكساس الأميركي 1.38 دولار أو بنسبة 1.8 في المئة إلى 75.37 دولار للبرميل، بعد أن ارتفع إلى أعلى مستوى له في سبع سنوات إلى فوق 85 دولارا.

ويبلغ متوسط غالون البنزين في الولايات حاليا 3.409 دولار، ارتفاعا من 2.11 دولار قبل عام، مع العلم أن النفط الخام يشكل ما بين 50 في المئة و 60 في المئة مما يدفعه المستهلكون لملء الوقود في سياراتهم.

وقال جون كيلدوف، من شركة “أغين كابيتال” “هذه خطوة جيدة التوقيت لمحاولة خفض أسعار النفط. هذا العرض الإضافي سيساعد على سد النقص في الإنتاج قبل الشتاء، خاصة إذا حصلت إمدادات كبيرة من العديد من الدول الآسيوية المستهلكة الرئيسية”.

هل يحل المشكلة؟

ولقي البيان الأخير ردود فعل متباينة في واشنطن، وقال السناتور الجمهوري، جون باراسو إن الإجراء “لن يحل المشكلة”، مشيرا إلى أن استجداء “أوبك” وروسيا لزيادة الإنتاج واستخدام احتياطي النفط الاستراتيجي الآن، هو مجرد محاولات “يائسة لمعالجة كارثة تسبب فيها بايدن”.

وفي المقابل، وصف زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، التوجه الجديد بأنه “خبر سار للأسر الأميركية”.

وقال: “استغلال احتياطي النفط الاستراتيجي سيوفر راحة مؤقتة تشتد الحاجة إليها في محطات الوقود، وسيشير إلى أوبك بأنها لا تستطيع التلاعب بشكل متهور بالإمدادات لتضخيم أسعار الغاز بشكل مصطنع”.

لكنه يشير إلى أن الحل الوحيد طويل المدى لارتفاع أسعار البنزين هو “مواصلة مسيرتنا للقضاء على اعتمادنا على الوقود الأحفوري وخلق اقتصاد قوي للطاقة الخضراء”.

ويقول أفتانديليان إنه من ناحية اقتصادية فهذا القرار “غير مفيد على المدى الطويل”، لكن له وجاهته السياسية من ناحية محاولة تهدئة مخاوف الرأي العام.

ويرى جيمس أستيل أن هذه الخطوة “تبدو مسؤولة لكنها جدلية” من ناحية “إجبار السوق” لخفض التضخم، كما أنها ستثير مخاوف بعض الأجنحة في الحزب الديمقراطي، المناهضة للوقود الأحفوري.

ما هو الاحتياطي الاستراتيجي النفطي الأميركي؟

الاحتياطي الاستراتيجي النفطي هو موارد النفط التي تحتفظ بها الولايات المتحدة لحالات الطوارئ، وقد تأسس في عام 1975 بعد قرار الدول العربية وقف إمدادات النفط بعد حرب عام 1973.

ومن النادر أن تسحب كميات كبيرة منها، إلا في حالات الطوارئ، أي عندما تضرب الأعاصير خليج المكسيك، المنطقة الحيوية لإنتاج النفط وتخزينه، أو استجابة للأزمات الدولية.

وتقول وزارة الطاقة إنه يمكن استخدام هذا الاحتياطي بثلاث طرق: سحب كامل لمواجهة “الانقطاع الشديد للطاقة”، أو السحب المحدود لما يصل إلى 30 مليون برميل، أو السحب من أجل الإقراض أو البيع، وفق شبكة “سي أن بي سي”.

وتخزن الولايات المتحدة احتياطاتها النفطية الاستراتيجية في أربعة مواقع تحت الأرض في ولايتي لويزيانا وتكساس. وفي العموم، هناك حوالي 720 مليون برميل في هذا المخزون، بحسب وزارة الطاقة. وفي 19 نوفمبر، تم تسجيل 604.5 مليون برميل.

وبالنسبة لـ50 مليون برميل سيتم استخدامها هذه المرة، من المقرر استخدام 32 مليون من خلال نظام “تبادل”، أي يتم مبادلة هذه الكمية مع المشترين الذين سيوافقون على إعادتها إلى المخزون الاستراتيجي مرة أخرى في وقت ما بين 2022 و 2024. وتهدف هذه الخطة إلى زيادة المعروض لفترة مؤقتة.

وستستخدم 18 مليون برميل أخرى في إطار عملية بيع، تمت الموافقة عليها مسبقا، لكن سيتم تنفيذها في وقت أبكر مما تم التخطيط له.

ولم يكشف المسؤولون الأميركيون متى سيحدث تأثير ملموس في أسعار البنزين في محطات الوقود، لكن وول ستريت جورنال نقلت عن مسؤول توقعه أن يحدث هذا قريبا. وتقول وزارة الطاقة إن التأثير المباشر على المواطنين عادة يستغرق 13 يوما.

سوابق استخدامه

وتم السحب من الاحتياطي سابقا في مواجهة إعصار كاترينا، عام 2005، وفي عام 2011 عندما اتفقت الولايات المتحدة و27 دولة أخرى على استخدام 60 مليون برميل بسبب فقدان حوالي 140 مليون برميل بسبب الحرب في ليبيا.

لكن زيادة اعتماد الولايات المتحدة على النفط الصخري قلل من مخاوف حدوث نقص، ومنذ سنوات بدأت تستخدم الاحتياطي كوسيلة لجمع الأموال لتغطية تكاليف الإنفاق العام. وتقول وزارة الطاقة إنها منذ عام 2017، استخدمت نحو 60 مليون برميل في صورة مبيعات.

المصدر: الحرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى